الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
307
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والتفاهم والمحبة . ثم تقول الآية كتب ربكم على نفسه الرحمة . " كتب " تأتي في كثير من الأحيان كناية عن الالزام والتعهد ، إذ إن من نتائج الكتابة توكيد الأمر وثبوته . وفي الجزء الأخير من الآية - وهو توضيح وتفسير لرحمة الله - يتحدث بلهجة عاطفية : أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم . وقد سبق القول ( 1 ) أن " الجهالة " في مثل هذه المواضع تعني طغيان الشهوة وسيطرتها ، والإنسان بسبب هذه الأهواء المستفحلة ، لا بسبب عدائه لله وللحق - يفقد المقدرة العقيلة والسيطرة على الشهوات ، مثل هذا الشخص - وإن كان عالما بالذنب والحرمة - يسمى جاهلا ، لأن علمه مستتر وراء حجب الأهواء والشهوات ، وهذا الشخص مسؤول عن ذنوبه ، ولكنه يسعى لإصلاح نفسه وجبران أخطائه لأن أفعاله لم تكن عن روح عداء وخصام . تأمر الآية رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن لا يطرد أي شخص مؤمن مهما تكن طبقته وظروفه وعنصره ، بل عليه أن ينظر إلى الجميع بعين المساواة ، وأن يحتضنهم ويعمل على إصلاحهم حتى وإن كانوا ملوثين بالذنوب . الآية التالية ومن أجل توكيد هذا الموضوع تشير إلى أن الله سبحانه يوضح آياته وأوامره توضيحا بينا لكي يتبين طريق الباحثين عنه والمطيعين له ، كما يتبين طريق الآثمين المعاندين من أعداء الله : وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ( 2 ) .
--> 1 - المجلد الثالث من هذا التفسير . 2 - جملة " ولتستبين " معطوفة في الواقع على جملة محذوفة تدرك بالقرينة ، فيكون المعنى لتستبين سبيل المؤمنين المطيعين ولتستبين سبيل المجرمين .